الشيخ علي الكوراني العاملي
16
جواهر التاريخ ( سيرة الإمام الحسن ع )
لكن عبوديته لله تعالى أشد عمقاً ورسوخاً وشموخاً ! والدين في فهمه النبوي ليس إعمال الرأي مهما بدا صائباً ومفيداً ، بل طاعة أمر الرب ونهيه ، مهما كان صعباً ! فقد قال جده المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) لأبيه المرتضى ( عليه السلام ) : ( وتجاهد أمتي كل من خالف القرآن ، ممن يعمل في الدين بالرأي ، ولا رأي في الدين ، إنما هو أمرٌ من الرب ونهي ) . ( الإحتجاج : 1 / 290 ) . وها هو الإمام الحسن بعد شهادة أبيه ( عليهما السلام ) يواجه مرحلة امتحانه في طاعة ربه عز وجل فينجح ، ويتحمل لأجل الإسلام آلام الخضوع لطاغية زمانه ، فيكون الإمام الممتحن بانهيار أمة جده في عهده ، وخضوعها لابن أبي سفيان ! فهذه هي الرؤيا التي أراها الله لجده المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) وهو على منبره ، أراه قادة أمته قروداً ينزون على منبره ! وأنزل عليه قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَاناً كَبِيراً ) . ( الإسراء : 60 ) الإمام الحسن ( عليه السلام ) يمتحن جمهوره ذكر المؤرخون والمحدثون هذه الخطبة للإمام الحسن ( عليه السلام ) ولم يحددوا وقتها ، ويبدو أنها كانت في الكوفة قبل حركته بجيشه إلى المدائن . قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : 3 / 269 : ( وفي مجتنى ابن دريد : قام الحسن بعد موت أبيه فقال : والله ما ثنانا عن أهل الشام شكٌّ ولا ندم ، وإنما كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر ، فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع ! وكنتم في منتدبكم إلى صفين دينكم أمام دنياكم ، فأصبحتم ودنياكم أمام دينكم ! ألا وإنا لكم كما كنا ولستم لنا كما كنتم . ألا وقد أصبحتم بين قتيلين : قتيل بصفين تبكون عليه ، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره ، فأما الباقي فخاذل ، وأما الباكي فثائر ! ألا وإن معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عزٌّ ولا نَصَفَة ، فإن أردتم الموت رددنا عليه ، وإن أردتم الحياة قبلناه ) .